أبي هلال العسكري
138
الصناعتين ، الكتابة والشعر
ومنه أنّ مجالس الظّرفاء والأدباء لا تطيب ، ولا تؤنس إلّا بإنشاد الأشعار ، ومذاكرة الأخبار ؛ وأحسن الأخبار عندهم ما كان في أثنائها أشعار ؛ وهذا شيء مفقود في غير الشعر . ومما يفضل به الشعر أن الألحان - التي هي أهنى اللّذات - إذا سمعها ذوو القرائح الصافية ، والأنفس اللطيفة ، لا تتهيّأ صنعتها إلا على كل منظوم من الشعر ؛ فهو لها بمنزلة المادّة القابلة لصورها الشريفة ؛ إلّا ضربا من الألحان الفارسية تصاغ على كلام غير منظوم نظم الشعر ، تمطّط فيه الألفاظ ؛ فالألحان منظومة ، والألفاظ منثورة . ومن أفضل فضائل الشّعر أنّ ألفاظ اللغة إنما يؤخذ جزلها وفصيحها ، وفحلها وغريبها من الشعر ؛ ومن لم يكن راوية لأشعار العرب تبيّن النقص في صناعته . ومن ذلك أيضا أنّ الشواهد تنزع من الشّعر ، ولولاه لم يكن على ما يلتبس من ألفاظ القرآن وأخبار الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم شاهد . وكذلك لا نعرف أنساب العرب وتواريخها وأيّامها ووقائعها إلّا من جملة أشعارها ؛ فالشعر ديوان العرب ، وخزانة حكمتها ، ومستنبط آدابها ، ومستودع علومها ؛ فإذا كان ذلك كذلك فحاجة الكاتب والخطيب وكلّ متأدّب بلغة العرب أو ناظر في علومها [ إليه ] ماسّة وفاقته إلى روايته شديدة . وأمّا النقص الذي يلحق الشّعر من الجهات التي ذكرناها فليس يوجب الرغبة عنه والزّهادة فيه ، واستثناء اللّه عزّ وجلّ في أمر الشعراء يدلّ على أنّ المذموم من الشعر إنما هو المعدول عن جهة الصواب إلى الخطأ والمصروف عن جهة الإنصاف والعدل إلى الظلم والجور . وإذا ارتفعت هذه الصفات ارتفع الذم ، ولو كان الذمّ لازما له لكونه شعرا لما جاز أن يزول عنه على حال من الأحوال . ومع ذلك فإنّ من أكمل الصفات